الشيخ محمد رشيد رضا
128
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
متعارضة وسواء صحت أو لم تصح فالآية على اطلاقها وعمومها ، والمفيد من مثل هذه الروايات معرفة أحوال أهل ذلك العصر ، فإنها تعين على الفهم ، وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا أي وإذا خرجتم من إحرامكم بالحج أو العمرة ومن ارض الحرم فاصطادوا ان شئتم فإنما حرم عليكم الصيد في ارض الحرم وفي حال الاحرام فقط ، فهذا تصريح بمفهوم قوله في الآية السابقة « غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ » والأصل في الامر بالشيء يجيء بعد حظره ان يكون للإباحة أي رفع ذلك الحظر كقوله تعالى ( فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ) - أي بالبيع والكسب - الذي جاء بعد قوله ( إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ) ومنه حديث « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزروها فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة » رواه ابن ماجة ، وله شاهد في صحيح مسلم من غير تعليل . وما كان الأصل فيه الإباحة قد يجب أو يندب أو يحظر لعارض يقتضي ذلك وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا قرأ ابن عامر وأبو بكر بن عاصم وإسماعيل عن نافع شنآن بسكون النون الأولى والباقون بفتحها وهما لغتان . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « إن صدوكم » بكسر إن على أنها شرطية والباقون بفتحها على أنها للتعليل . وهذه القراءة تشير إلى صد المشركين المؤمنين عن العمرة عام الحديبية وتنهاهم ان يعتدوا عليهم عام حجة الوداع الذي نزلت فيه السورة لأجل اعتدائهم السابق ، والمعنى عليه ولا يحملنكم بغض قوم وعدواتهم على أن تعتدوا عليهم لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام . ومعنى القراءة الأخرى انه لا يباح للمسلمين ان يعتدوا على أعدائهم إن صدوهم عن المسجد الحرام أي عن النسك فيه وزيارته ولو للتجارة . واستشكل بأن هذا قد نزل بعد فتح مكة ولم يكن يتوقع صد من أحد وبأنه معارض لقوله « وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ » وأجيب بأن الشرط على معنى الماضي بتقدير الكون أي ان كانوا صدوكم عن المسجد الحرام ، ويمكن ان يقال إن ورود هذا بعد فتح مكة وظهور الاسلام على الشرك وأهله لا إشكال فيه لأن